ماهيّة الحوكمة مع التأكيد على الحوكمة المهدويّة(مقاله علمی وزارت علوم)
منبع:
الحوکمه فی القران والسنه المجلد ۳ صیف ۲۰۲۵ العدد ۲
67 - 86
حوزههای تخصصی:
بِحَسَب الفکر السیاسی، والنموذج الاعتقادی، والعادات والتقالید الاجتماعیّه، ونوعیّه الرؤیه الکونیّه والأیدیولوجیّه، وأنماط النُظُم السیاسیّه والثقافیّه، ووجود الامتدادات الحضاریّه والتاریخیّه فی کلّ أمّه ومجتمع، یتحدَّد توزیع القوّه وممارسه السیاسه فی المجتمع، وهو ما یُعبَّر عنه بمصطلح الحوکمه. الحوکمه مفهوم جدید وکثیر التداول، یتمتّع بطبیعه بنائیه وبأبعاد متعدّده، ویُعدّ تقنیه غیر ملموسه، واسعه الانتشار، وشدیده الحضور فی المراکز والمؤسّسات التعلیمیّه والبحثیّه. وفی هذا البحث، یُقصَد بالحوکمه العملیّه المنظمه التی تهدف إلى قیاده المجتمع وتوجیهه وإزاله عقباته وتنظیمه منذ البدایه (أی: رسم السیاسات) وحتّى الغایه (أی: تحقّق الأهداف)، وذلک على أساس القرارات الجماعیّه وبمشارکه عامّه من الناس. أمّا الحوکمه المهدویّه فهی إحدى صور الحوکمه المقیّده، وتمتاز عن غیرها من الحوکمات بخصوصیّه ارتباطها بالفکر المهدوی. وتُعرَّف بأنّها: نموذج من الحوکمه الإسلامیّه یقوم على أساس فکر المهدویّه، ویهدف إلى توجیه المجتمع والمواطنین وقیادتهم نحو بلوغ مراتب الکمال والرقیّ مادّیًّا ومعنویًّا. وتنقسم الحوکمه المهدویّه إلى قسمین: الحوکمه المهدویّه المتعالیه وحوکمه ولایه الفقیه. وبعباره أخرى، إن مفهوم الحوکمه المهدویّه یتم تحدیده على مستویین: عام وخاص. ففی المستوى العام أو بالمعنى الأعمّ یُراد بها مطلق الحوکمه المهدویّه من دون النظر إلى تحدید القائمین علیها. أمّا فی المستوى الخاص أو بالمعنى الأخصّ فیُراد بها تعریف الحوکمه المهدویّه مع تحدید المتولّین لشؤونها. وعلى هذا الأساس، فإنّ الحوکمه المهدویّه بالمعنى العام یشمل الحوکمه التی تتمّ بإشراف شخص الإمام المهدی(ع) نفسه، وکذلک الحوکمه التی تتمّ بإشراف خلفائه، ویتقدّمهم الولیّ الفقیه. أما الحوکمه بالمعنى الخاص فهی تُقابِل الحوکمه المهدویّه بالمعنى العام، والفرق الجوهری بین العام والخاصّ یکمن فی أنّ الحوکمه الخاصّه ترکّز أکثر على التمایزات والاختصاصات بین الحوکمه المهدویّه المتعالیه وحوکمه ولایه الفقیه، کاختلاف المتولّین والحکّام، واختلاف الخصائص الحصریّه بینهما. أمّا الحوکمه العامّه فترکِّز أساسًا على أوجه الاشتراک والتداخُل بین الحوکمه المهدویّه المتعالیه وحوکمه ولایه الفقیه، مثل انبثاقهما معًا من الفکر المهدویّ، وسعیهما المشترک لبلوغ الناس والمجتمع مراتب الکمال والارتقاء. إن کلا النموذجین ینبعان من فکر المهدویّه ویتقوّمان به؛ فالأوّل یُدار بحاکمیّه مباشره للإمام المهدی(ع)، وأمّا الثانی فیُدار بحاکمیّه خلفاء الإمام(ع) وفی طلیعتهم الولیّ الفقیه. إن المنهج المعتمد لهذا البحث هو المنهج النوعی، وفی مستوى جمع المعطیات اتُّبع الأسلوب الوثائقی والمکتبی، وأمّا فی مستوى معالجه المعطیات فاستُخدم المنهج الوصفی والتحلیلی. إنّ الحوکمه تُعَدّ میدانًا غنیًّا بالمباحث، من قبیل: مبادئ وأصول الحوکمه، أدوارها ووظائفها، مجالها وسَعتها، أرکانها وأُسسها، أنماطها وأسالیبها، غایاتها وأهدافها، معاییرها وضوابطها، أقسامها وأنواعها، ماهیّتها وأبعادها، ثم القائمون علیها والمتولّون شؤونها. ومن أبرز تلک المباحث مسأله ماهیه الحوکمه وتعریفها، التی تُطرح فی سیاق البحث عن حقیقتها ومفهومها، وهو ما یتصدّى هذا البحث لبیانه وتفسیره. ولا شکّ أنّ الحوکمه، بمعنى القیاده والتوجیه، قد أصبحت فی العصر الراهن مفهومًا متداولًا بکثره، وتُدرس وتُناقَش فی المراکز والمؤسّسات العلمیّه المختلفه على أیدی العلماء والنخب الأکادیمیّه فی مجالات معرفیّه متنوّعه. وتجدر الإشاره إلى أنّ کلّ موضوع أو مفهوم یُدرَک عادهً من زاویتین: تصوّریّه وتصدیقیّه، أی من بُعدین مفهومیّ ونظریّ. ومفهوم الحوکمه بشکل عام، والحوکمه المهدویّه بشکل خاص، لا یُستثنیان من هذه القاعده، إذ یحتاج التعریف بهما إلى دراسه مفاهیمیه ضمن إطار البحث فی الماهیّه والحقیقه. یُمکن القول إجمالًا إنّ البحث فی المفهوم - والمقصود هنا مفهوم الحوکمه مع التأکید على مفهوم الحوکمه المهدویّه - ینقسم إلى قسمین: لفظی واصطلاحی. أمّا المفهوم الاصطلاحی فینقسم بدوره إلى قسمین: المفهوم البسیط والمفهوم المرکَّب. والمفهوم المرکَّب الذی یُعبَّر عنه أحیانًا بالمفهوم البنائی أو المتعدّد الأبعاد یتنوّع إلى المفهوم الذاتی والمفهوم العَرَضی. والمفهوم الذاتی یُقسَّم إلى الحدّ التام والحدّ الناقص، أمّا المفهوم العَرَضی فیُقسَّم إلى العرض الخاصّ الذی یُعبَّر عنه بالرسم التام، والعرض العامّ الذی یُعبَّر عنه بالرسم الناقص. والرسم الناقص یتنوّع إلى أقسام متعدّده، من قبیل: التعریف بالمنهج، التعریف بالغایه، التعریف بالمسائل، التعریف بالتمثیل وغیر ذلک.