العدالة المؤسسة على الإيمان والنظام الإيماني(مقاله علمی وزارت علوم)
منبع:
الحوکمه فی القران والسنه المجلد ۳ صیف ۲۰۲۵ العدد ۲
49 - 66
حوزههای تخصصی:
لکلّ حضارهٍ مؤشّراتٌ خاصه تُعبّر عن طبیعتها وتمیّزها عن سائر الحضارات. وعلى الرغم من ضروره وجود بعض المؤشّرات فی جمیع الحضارات، إلا أنّ هذه المؤشّرات، وإن تشابهت فی الظاهر، تختلف اختلافًا جوهریًا فی طبیعتها. ویُعدّ «النظام» من أبرز المؤشّرات الضروریه لبناء الحضارات واستمرارها، غیر أن طبیعه النظام فی کل حضاره تتحدّد بحسب طبیعه تلک الحضاره. ففی الحضارات المادّیه، تُعدّ «القوّه» منشأ النظام، ویُفرض النظام من خلال القانون والإکراه الاجتماعی. أمّا فی «الحضاره التوحیدیه للأمّه»، فإن «الإیمان» هو الأساس الذی یُبنى علیه النظام. ویُقدّم القرآن الکریم «الحضاره التوحیدیه» بوصفها البیئه الأنسب لتکامل الإنسان وارتقائه. وتختلف طبیعه هذه الحضاره عن الحضارات المادّیه اختلافًا جذریاً، حیث تُنتج العناصر الإیمانیه طبیعه النظام فیها. ویُعرّف القرآن الکریم هذه العناصر الإیمانیه المکوّنه للنظام، ومن أبرزها «العداله». فالعداله فی الحضارات المادّیه لا تقوم على أساس إیمانی، بل یُنشئها الإنسان الخاضع لأهوائه. بینما العداله القرآنیه قد حدّد معالمها خالق الإنسان، وهی عنصر إیمانی بحسب القرآن. وتختلف العداله القرآنیه عن العداله المادّیه فی منشئها وطبیعتها وآثارها. تهدف هذه الدراسه إلى استنطاق الخصائص القرآنیه للعنصر الإیمانی «العداله»، بوصفه أحد العناصر القرآنیه المُنتجه لمؤشّر «النظام» فی «الحضاره التوحیدیه للأمّه». وتتمحور إشکالیّه البحث حول طبیعه «العداله الإیمانیه» وکیفیّه ارتباطها بمؤشّر «النظام». ما الآلیّه التی تُحقّق بها العداله القرآنیه النظام فی المجتمع؟ تعتمد هذه الدراسه على المنهج الاستنطاقی الذی طرحه الشهید الصدر (رحمه الله)، فی دراسه طبیعه مؤشّر النظام من خلال شبکه الآیات المتعلّقه بالعداله، وبخاصه الآیه 135 من سوره النساء. وقد اعتبر الشهید الصدر، استنادًا إلى قول أمیر المؤمنین(ع): «ذلک القرآن فاستنطقوه»، أنّ الرجوع إلى القرآن الکریم لاستنباط النظریّه القرآنیه حول القضیه المطروحه هو المنهج الأمثل لفهم وتفسیر النصّ القرآنی. تتناول هذه الدراسه استنطاق مسأله «النظام» من خلال فهم طبیعه «العداله» کأحد العناصر الإیمانیه وتحدید موقعها فی القرآن الکریم. فالعداله تتشکّل فی سیاق العلاقات الإنسانیه القائمه على الإیمان داخل المجتمع. وفی حین أن الحضارات المادّیه تعتمد على الرقابه الخارجیه التی یمارسها منفذو القانون البشری لإرساء نظامٍ قائم على القوه، فإن «الحضاره التوحیدیه للأمه» تُنتج نظامًا إیمانیًا من خلال الرقابه الذاتیه لدى الإنسان المؤمن. وکلّما ازداد الإیمان، وتکاثرت العناصر الإیمانیه فی بنیه المجتمع، ترسّخ النظام بشکل أوسع. فحضور العناصر الإیمانیه یُقلّل من الأنانیه الجسدیه، والاضطرابات الاجتماعیه، والفوضى، ویُعزّز من روح الإیثار والنظام الاجتماعی. وتُعدّ «العداله» من أبرز العناصر الإیمانیه المنتجه للنظام. فکلّما تعمّق الإیمان فی المجتمع، ازدادت العداله، و«العداله المؤسسه على الإیمان» بدورها تنتج نظامًا إیمانیًا. وتُعدّ الآیه 135 من سوره النساء من أهم الآیات التی تُبیّن خصائص «العداله المؤسسه على الإیمان»، حیث یقول تعالى: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُونُوا قَوَّامِینَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِکُمْ أَوِ الْوَالِدَیْنَ وَالْأَقْرَبِینَ، إِن یَکُنْ غَنِیًّا أَوْ فَقِیرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا، فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا، وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرًا». وتُظهر هذه الآیه أن إقامه العداله فی العلاقات الإنسانیه القائمه على الإیمان یجب أن تتمّ حتى لو تعارضت مع المصالح الشخصیه أو العائلیه. وتُستنبط من هذه الآیه سبع خصائص جوهریه للعداله الإیمانیه: «الشمولیه»، و«الرقابه الذاتیه»، و«القیام الدائم»، و«الإخلاص»، و«الانحیاز للحق»، و«التحرر من الأهواء» و«التزام التقوى». بناءً على ذلک، فإن «العداله» فی «الحضاره التوحیدیه للأمه»، تتّسم بثمانی خصائص جوهریه: 1. العداله ذات منشأ إیمانی. 2. إقامه العداله واجبٌ عام، یشمل جمیع البشر الحقانیّین.3. تحقیق العداله وحفظها لا یقتصر على منفذی القانون فی المجتمع (الرقابه الخارجیّه)، بل یطبق الجمیع -کلّ بحسب درجه إیمانه- من خلال الرقابه الذاتیه على أعمالهم مستوى من العداله فی المجتمع. 4. العداله یجب أن تُقام بشکل دائم ومستمر، لا موسمی أو مرحلی. 5. یجب أن یکون الهدف من إقامه العداله أداء الواجب الإلهی بإخلاص تامّ لوجه الله تعالى. 6. یجب أن یکون الحق وتطبیقه معیارًا للعداله. 7. العداله یجب أن تُمارس أداءً للواجب الإلهی، وبعیدًا عن الأهواء والشهوات. 8. السعی إلى زیاده التقوى هو العامل الأساسی فی تحقیق النجاح المتزاید للعداله الإیمانیه. إن العداله التی تتحلّى بهذه الصفات تُنتج نظامًا یفوق النظام فی کل الحضارات المادیه. وکلّما ازداد «الإیمان» فی المجتمع، ازدادت «العداله المؤسسه على الإیمان»، وبالتالی ترسّخ «النظام الإیمانی». ویُعدّ کلّ إنسانٍ حقّانی مسؤولًا عن إقامه العداله فی «الحضاره التوحیدیه للأمه»، وتتناسب مسؤولیته مع درجه إیمانه؛ فکلّما ارتقى إیمانه، تعاظمت مسؤولیته فی ترسیخ العداله.