الدراسة الأنطولوجيّة للعدوّ وعنصر العِدَاء في السياسة (من منظور القرآن الكريم)(مقاله علمی وزارت علوم)
منبع:
الحوکمه فی القران والسنه المجلد ۳ صیف ۲۰۲۵ العدد ۲
9 - 28
حوزههای تخصصی:
لا یمکن تصوّر میدان السیاسه بمعزلٍ عن الصراع والعداوه؛ إذ إنّ کثیراً من التحوّلات والأحداث السیاسیّه تندرج فی إطار مفهوم "العدوّ"، ومن خلاله تکتسب معناها وقابلیّتها للتفسیر. فإمکان الحرب الحاضر دوماً، بوصفه الحدّ الأقصى للصراع السیاسی، والاستعداد للقتل أو القِتال، إنّما یستندان إلى مفهوم العدوّ وحده. کما أنّ العدید من النجاحات والإخفاقات فی الساحه السیاسیّه تتوقّف على إداره العلاقات المعقّده والدینامیّه بین العداوه والصداقه. هذا الواقع یُبرز الصِّله القدیمه بین السیاسه والعداوه، ویکشف عن الوجه الخصمانیّ للسیاسه، بما یُظهر أهمیّه البحث فی موضوع العدوّ وعنصر العداء. إنّ المقاربه الأنطولوجیّه لمفهوم العدوّ، والبحث عن الأسس الوجودیّه المرتبطه به فی خطاب الوحی ضمن آیات القرآن الکریم، هی المنهجیّه التی تتبنّاها هذه الدراسه. إذ تتیح تلک الأسس الإجابه عن السؤال الرئیس الذی یتناوله هذا البحث: کیف وُصِف العدوّ وفُسِّر فی خطاب الوحی؟ وما العوامل التی تؤدّی إلى ظهور العداء واستمراره فی المجال السیاسی؟ إنّ الإجابه عن هذا السؤال تستلزم فهماً دقیقاً لآیات القرآن الکریم، والرجوع إلى التفاسیر التی تُمکّن من إدراک مقاصد النصّ الإلهی. وفی هذا السیاق، یعتمد البحث على تفسیرَی المیزان للعلّامه الطباطبائی و تسنیم لآیه الله الجوادی الآملی، لما یتمیّزان به من نظره شامله إلى القرآن، وتفسیر للآیات فی ضوء نظائرها ومقابلاتها. لقد أُشیر فی مواضع متعدّده من القرآن الکریم إلى مفهوم العدوّ وعنصر العداء إشارهً مباشره، کما أنّ کثیراً من المفاهیم والمصطلحات القرآنیّه - مثل الجهاد و القتال و الحرب و الفتح و النصر - ترتبط ارتباطاً وثیقاً بمفهوم العدوّ، ولا تکتسب معناها إلّا فی وجوده. وتُثبِت هذه الآیات أنّ وجود العدوّ وحضور عنصر العداء فی المجتمعات الإنسانیّه حقیقهٌ لا یمکن إنکارها. ویتجلّى هذا الأمر بوضوحٍ أکبر فی الآیات التی تتناول هبوط آدم(ع) إلى الأرض، إذ تُظهِر تلک الآیات أنّ استمرار حضور عنصر العداء هو السِّمه الأولى للحیاه الأرضیّه. تشیر نتائج البحث إلى أن الوجود هو میدان للتقابل بین الحق والباطل، وأن التضاد الوجودی بینهما یؤدی إلى نشوء العداوه بین أتباع الحق والباطل فی سیاق الحیاه الاجتماعیه للبشر. إن المواجهه الأنطولوجیه لمفهوم العدو فی هذا السیاق تُظهر أن نشوء العداوه یرتبط بعاملین رئیسیین: العامل الفاعلی والعامل البنیوی. من المنظور الفاعلی، فإن الطبیعه الوجودیه للإنسان، التی تتکوّن من العقل، والاختیار، والحریه، إلى جانب الغضب والشهوه، وما یحویه من قوى متضاده، تُهیّئ الأرضیه لظهور العداوه. ومن المنظور البنیوی، فإن الحیاه الاجتماعیه للبشر، بسبب ما یحیط بها من قیود ومحدودیات، تُعدّ مجالاً للتزاحم والتقابل، مما یؤدی إلى بروز العداوه فی المجتمعات الإنسانیه. کما أن الأحکام والحدود الإلهیه، بما لها من طبیعه حقیقیه وارتباط داخلی ببنیه نظام الخلق، تتفاعل مع أفکار الإنسان وسلوکیاته، ویُعدّ نشوء العداوه أحد ردود الفعل البنیویه الناتجه عن انتهاک تلک الحدود الإلهیه. إن إزاله العداوه تتطلب التوحد حول محور ترتکز علیه الفطره الوجودیه للإنسان. وهذا المحور یتجلّى ضمن البنیه الحاکمه للعالم والقوانین التی یقوم علیها الوجود، والتی شکّلتها الأحکام والحدود الإلهیه. وبناءً علیه، فإن نشوء العداوه فی المجتمعات البشریه یرتبط ارتباطاً مباشراً بعدم التزام الناس بالحق وأوامر الله، ولو أن جمیع الناس ثبتوا على اتباع الأحکام والحدود الإلهیه، لما کان للعداوه أن تظهر. وتبشّر الآیات القرآنیه التی تُعرّف الصالحین بأنهم ورثه الأرض بمستقبلٍ یسود فیه الالتزام بأوامر الله، ویصبح فیه حلم غیاب عنصر العداوه عن المجتمعات الإنسانیه قریب المنال.